كلمة سماحة شيخ العقل رئيس المجلس المذهبي في لقاء وطني وروحي جامع في حاصبيا.

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمدُ لله ربّ العالمين، والصَّلاةُ والسّلام على نبييه المصطفى سيِّد المرسلين، وآله وصحبه أجمعين.

الحفل الكريم،

الموحِّدُون حين يحتفلون بالأضحى المباركِ وفقَ أصُولِ تراثِهم وتقاليدهم، تُراهُم خاضعين خاشِعين ذاكِرين كلمةَ الله في كتابه العزيز﴿وِلَكِنْ يَـنالُهُ التَّـقـوَى مِنْكُم﴾. والتَّهاني الحقيقيَّة في معناها السليم ترقى إلى مستوى الرَّجاء من الله العليّ القدير أن يُثمِرَ في القلوبِ السجايا التي بها تتحقَّقُ الفضيلةُ الإنسانيَّة بأسمى مضامينها ومعانيها في الرُّوح الجوهريَّة.

العيد رمزه الفرح، وبالحقيقة ففي كلّ يومٍ لا يُعصى فيه الله فهو يومُ فرحٍ ويومُ عيد. والأيام العشرة من ذي الحجة هي أيامٌ مباركات كليلة الجمعة عند الموحدين، ذكر الله تعالى حرمَتَها وفضيلة العمل بها كما جاء في كتابه الكريم﴿وَالفَجْرِ* وَلَيالٍ عَشْرٍ﴾. وكأنها تفسيرٌ لرحلةِ جهادٍ ليأتي العيدُ ثمرتها.

إذا كان معنى القربان التقرب الى الله، والتضحية الأولى كانت لإبراهيم الخليل (ع) بتقديم ولده للذبح وهو أعظم البلاء فنال بالرضى والتسليم لأمر الله رضاه. ورضى الله الدائم يكون بفرح الآخرة وهي الفرحة الأبدية. فلا بدّ من فدية تليق بنيل الفرح السرمدي ألا وهو ذبح شهوات النفس الإنسانية على مذبح الصدق والاعتصام به، والقبول بالأمر والانتهاء عن النواهي، والترفع عن دنايا الأمور، وبذل ومكابدة كلّ مجهود لالتزام الحدّ ومن أراد القصد المخلص للوقوف في حضرة الحق. فالأولى ان يعدِل مع جوهر النفس بإلزامها ما يُحيها من معالم الدين الحنيف، وضبط مسالكها وفق ما اقتضاه الحقُّ والنهجُ الشريف. هي النفسُ التي بشرها الله تعالى بدائمٍ باقٍ لا يفنى كما قال﴿ إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ﴾ أستشعرُ هنا، بينكُم الآن، الميزةَ التي يستحضرُها الوجدانُ في هذا المقام، مقامُ الحضور في مكان له عراقةُ التاريخ، وأصالةُ التراث؛ مستذكرًا السَّلَفَ الصَّالح الذي خلا فكرُهُ لحميدِ الذِّكر، وسؤالِ العفْوِ؛ فبنى صرحَ الرُّوح وفق مسالكِ العبادةِ اليقينيَّةِ، وكأنّي بلسانِ حالِهم يردِّدُ الآيةَ الكريمةَ ﴿يَا أيُّها النَّاسُ إنَّ وعدَ اللهِ حقٌّ فَلاَ تَـغُـرَّنَّـكُمُ الحيَاةُ الدُّنيَا وَلاَ يَغُـرَّنـَّــكُم بِاللهِ الغَرُورُ﴾. وها هي البيَّاضةُ الزاهرة، عبر مئات السنين، تحملُ في سرِّها بركةَ أفاضل، جاهدُوا بالعِلم والعمَل، آمرين بالمعروفِ، ناهينَ عن المُنكَر، ذخيرةَ حياةٍ صالحةٍ للأجيال.

حين يذكرُ المعروفيُّونَ بألسنتِهِم “وادي التَّـيْم”، يستشعرونَ تاريخاً عريقاً مترسِّخاً في قيَمِ الكرامةِ والشَّرفِ والتَّضحيةِ والعطاءِ والشَّجاعةِ والخِصالِ الإنسانيَّةِ النبيلةِ التي مكَّنَتْ أهلَ هذه المنطقة الأعزَّاء الشُّرفاء من حفظِها نموذجاً للعيْشِ الوطنيّ الواحد، ولعلاقاتٍ إنسانيَّة ترقى إلى مستوى الأسرةِ الوطنيَّة التي قدَّمت للوطن الكثير بلا مِنَّةٍ ولا سؤال، وهذا كان دأْبُها على الدوام. لقد دافعت وقاومت وحررت وحملت هموم فلسطين وما زالت. فتحيةً لوادي التيم والعرقوب وما جاورهما.

ونحنُ اليوم، نجتمعُ حول مائدةِ كرمٍ، مائدةِ تآلُفٍ إنسانيّ، في دارٍ عامرةٍ بإذنه تعالى، آل الخليل الكرام. دارٌ كريمةٌ من بيوتات معروفية اصيلة، وفية لروح لبنان الميثاقية. رجالٌ ذوي وفرة في سجايا البذل والاريحية والعطاء ليس فقط بالمادة في خدمة الصالح العام بل ايضاً بحكمتهم وخبراتهم. وفي مقدّمتهم صاحب المعالي الأستاذ أنور الخليل. وحين استعرضُ مسيرتنا اعني فيما يُمكن أن نسمِّيه إعادة بناء مؤسَّسات البيتِ الداخليّ، أعني المجلسَ المذهبيّ ولجانَه ورعاية مشيخة العقل، فقد وقف الى جانبنا على الدوام، في خطٍّ ثابتٍ مستقرٍّ في العديد من المحطَّات الأساسيَّة، إلى جانب معالي الاستاذ وليد بك جنبلاط، لعِلمِهم أنَّ مسيرةَ الإصلاح تكمن في تحقيق أسُس النهضة المرجوَّة والعبورِ من دوائر المصالح الضيّقة إلى الدائرة الكبرى للصالح العام.

وبهذه المناسبة نجدد العهد ونؤكد قناعتنا وايماننا بوحدتنا الوطنية وارادتِنا الجامعة وميثاقنا الوطني نصونُ لبنان، وندرأ عنه رياحَ الفتنِ والويلات. بالامس كان يوم حداد وطني والشهداء بمثابة قربان من اجل الوطن فتحية لشهداء الجيش والمقاومة.  

سائلاً الله تعالى أن يعيد مناسبة الاضحى بالخير والبركة، وأن يُلهمَنا إلى ما فيه رضاه، وأن يُسدِّدَ خُطانا في كلِّ ما فيهِ النَّفع والفلاح لنا ولمجتمعنا ولوطنِنا.

مقالات ذات صله

Translate »