الخطرُ الأكبر الّذي يُهدِّدُ الأسرة (أهلُ الرَّجل وعشيرته/ الدِّرعُ الحصينة) هو التفكُّك، وأكثر تجليّاته وضوحًا هو الطلاق (يؤدِّي إلى انفراط عقد الأسرة. يؤثِّر سلبًا في تكوين شخصيَّة الأبناء، يرمي المطلَّقة غالبًا في هوّة الضياع، ويُفقِدُها الثقة في مؤسَّسة الزواج) . لقد تكاثرَ هذا الحلالُ البغيض بشكلٍ مطَّرد في عصرنا الحديث. ويُمكِن أن تُعزى أسبابُه لأكثر من ثلاثين سببًا. إنَّ العديد من هذه الأسباب مردُّه إلى:
– عوامل اقتصاديَّة: العوز والتقصير في الإعالة، عدم توفّر المسكن المستقل، البطالة، البخل، الغياب في سفر طويل، إهمال منزل الزوجيَّة بسبب عمل المرأة.
– عوامل اجتماعيَّة: تدخلاّت الأهل السلبيَّة، فرق السنّ، التفاوت الاجتماعي، زواج متسرِّع.
– عوامل نفسيَّة وصحيَّة: عدم الإنجاب، فقدان الثقة، المَرض المُزمِن، حوادث طارئة.
أمّا الأسباب الأخرى فهي متعدِّدة، ومرتبطة بالآثار المباشرة لأنماط السلوك الحديث، ويُمكِن إدراجها في إطار عوامل تحلُّل مفاهيم الأخلاق والثقافة والفضائل ذات العراقة، وتأثُّر الأذهان والنفوس والطبائع بما تقدِّمُه لنا النِّسبة العظمى من كميَّة الصور المُنتَجة على مدار الساعة وتلقِّيها بسهولة بالغة مهما عظُم خطرُها وتفاقمَت جرأتُها. ويُمكِن رَصد العِلل التالية:
– الافتقار إلى ثقافة الزواج (ربما انعدامها). – التفاوت الثقافي بين الزوجين. – الانحلال الخُلُقي، ولهُ مسبِّبات متعدِّدة، منها: التأثّر الفعّال بمشاهدة الأفلام، الإدمان على أنواعه، لا سيّما المخدِّرات (المنتشرة أكثر بكثير ممّا يتصوّر المرء). إنَّ ما يقارب نصف دعاوى الانفصال متعلِّقة بهذا الخلل. – الانزلاق في استعمال وسائل الاتّصال إلى ما لا تُحمَد عُقباه، لا سيّما منها الفايس بوك. – الضرب، والإسفاف في الكلام، والنفور المتبادل من جرّاء عدم الاحترام، والقمع المرتبط بالتسلّط الذكوري، وهواجس الشعور بالخيانة. – تأثُّر أحد الزّوجين بمؤثَّرات دينيَّة مغايرة (إبدال المذهب، التأمّل التجاوزي، إيمان بقداسة مختلفة). – سرعة الانفعال وردّ الفعل الغاضب واستسهال هجر المنزل وطلب فسخ العقد. – إنَّ مُعظم حالات الخطيفة تنتهي بالطلاق. – الخلاف حول قرار أحد الزوجين الالتزام دينيّا. – الزواج المُبكِر يؤدِّي غالبًا إلى الطلاق. – الخلاف في العصبيَّة السياسيَّة. – إخفاء حقائق في مرحلة الخطوبة يُمكن أن تؤدِّي معرفتها بعد الزواج إلى الطلاق. – أحد أهمّ الأسباب هو الكذب.
يُعرَّفُ مفهومُ الزواج بعد إجراء العقد لدى إقامة المراسم حيث تُقرأ الفاتحة وسورة الإخلاص ثم خُطبة الزواج التي يردُ فيها هذا التوضيح الدال على الأهميَّة البالغة لهذه الخطوة في حياةِ المرء: “إنَّ الزواجَ سُنَّةٌ من سُنن الأنبياء، وشِرعةٌ من شرائع البقاء، وصونٌ عن الفحشاء، ووقايةٌ من ربِّ الأرض والسموات. قال تعالى “ومِن كلِّ شيءٍ خلقنا زوجين” “ومِن آياته أن خلقَ لكُم من أنفسِكُم أزواجًا لتسكُنوا إليها وجعلَ بينكم مودَّةً ورحمةً”.
يقول الأميرُ السيِّدُ أن طريقَ الزواج ركنٌ عظيمٌ في الدِّين، قاعدته الرِّضى، وغايته الائتلاف والاستيلاد. وهذا أمر تأسيسيّ لنواة المجتمع الأولى: الأسرة. ولا يؤسِّسُ العاقلُ صورةَ حياته ومستقبلها فوق جُرْف هار، وإنَّما على بيِّنةٍ راسخةٍ من حسن التدبير، وأهمّها الوعي ووَحدة القلب والعقل معًا. لذلك، يدعو الأميرُ الجليل إلى مبادرة الرجل بالإحسانِ إلى الزوجةِ إذا وصلت إليه، فلا يستعجل القران قبل مرور فترةٍ غير وجيزة يحاول فيها أن يولِّد التواصل الإنساني والتفهّم المشترك المرتبطين بمفاهيم الخير والتعلّم، فتصيرُ بينهما هيبة وليدة احترام عميق ومشاعر مؤتلفة. إنَّ روعةَ هذا الاختبار تضيع في خضمِّ الصخب والانفعالات التي تدعونا إليها أنماط الاحتفال المعاصر.
إنَّ التأمُّلَ في معنى هذه المفاهيم الراقية، والاستفادةَ ممّا تذخَرُه للنَّفسِ البشريَّة من خيرٍ واحترام، فضلاً عمّا يكتنِزُه إرثُنا الروحيُّ من إرشادٍ حكيم، من شأنه أن ينبِّهَنا دائمًا إلى سواء السبيل، وأن يحثَّنا على تزكيةِ قلوبنا وصيانة دواخلنا بامتلاكها الخِصال الحميدة والإرادة النابهة.
إنَّ التهافت الخُلقي لا يُعالَج بالوعظ فقط، بل بتثبيت أواصر الكَنف العائلي بالألُفة والتفهُّم والتفاهُم وتبادُل العلاقات الواعية، وأيضًا بالتعاضُد الاجتماعي عبر قيام الفعاليّات والمؤسّسات والجمعيّات بالدَّور الحضاري المتعدِّد الأوجه، بانفتاحٍ رشيدٍ على هواجس الأجيال الصّاعدة وهمومها بعيدًا عن ترسّبات العصبيَّة والفِئويَّة.
هنا، سؤال آخر مهم: ماذا يدورُ في خَلَد الفِتية الآن؟
يريدُ الواحدُ منهُم جذبَ الواحدة لاهثًا خلفَ صورةٍ موجودةٍ في التلفاز. هذا الجواب الفوري أدلت به مُربِّيةٌ ناجحةٌ في صلتها بمكنونات تلاميذها الحاليِّين. إنَّ العديدَ منهُم يتباهى بوصوله إلى “الكارت” الذهبي، وهذا يعني وصولَه إلى مراحل متقدِّمة في اللعبة الالكترونيَّة التي غالبًا ما تكون قائمة على استخدام العُنف صُوريًّا. ومن لعبةٍ إلى لعبةٍ أكثر إثارة، تقوى فيه غريزةُ القوَّة، في حين أنَّه يعيش في الذِّهن صورةً وهميَّة لعالَمٍ وهميّ. إنَّهُ ينشأ ويترعرعُ من دون أن يجدَ تعويضًا لقاء الشعور بالقوَّةِ المغروس فيه إلاَّ الجنس الآخَر. لقد تحوّلت الصُّورةُ إلى غريزةٍ مضطربة. لذلك، فإنَّ همَّهُ في أسلوب لِبسه وحركاته وإظهار تمرّده هو الجذب ولفت النَّظر. تُصبحُ لعبةُ الإغواء متبادَلة.[1]
تسعى التربيةُ إلى بناء الشخصيَّة السويَّة للطالب الَّذي هوَ كِيانٌ إنسانيّ برسم المستقبل. إنَّ عاملَ التوازن الداخليّ هو من أهمّ المكوِّنات للفردِ في مواجهة الحياة وتقلّباتها. ولكن، كيف السبيل لتأسيسِ التوازن، الذي هو في العُمق نواةٌ توحيديَّة لتضارُب الطبائع البشريَّة، في حين أنَّ معظمَ الأشياء المرئيَّة التي يبصرُها اليافعُ أمامه لا يعدو كونها سلسلة من التناقضات: خلافات عائليَّة، تنافر العلاقات المنزليَّة، انحسار رقابة الأهل أمام اكتساح الشاشة الفضِّيَّة (تلفزيون، كومبيوتر، سيلولير) لمعظم الأوقات[2]. أدّى هذا إلى طغيان دور الحواس الظاهرة، لا سيّما منها البصر والسمع، على مقدّرات الذِّهن. لم يعُد ثمّة مُثُل عُليا للولد. تناقصَ دورُ الأمّ لجهة شمول رعايتها النفسيَّة والفكريَّة لأبناءٍ يبدون وكأنَّهُم في الضفَّةِ الأخرى على الدوام.
تبيَّنَ أنَّ اعتمادَ نظام الإنذار والعقاب المعنوي، من دون تعنيف، في المدرسة (تسجيل ملاحظة في سجلّ المخالِف)، أدَّى إلى مفاعيل إيجابيَّة. والتركيز يتمّ، أثناء تنفيذ آليَّة هذا النظام، على وعي الطالب لمخاطر الانزلاق في الاستخدام العبثيّ للوسائل الحديثة. في هذا دلالة على أهميَّة المواكبة التربويَّة للأهل أيضًا، ورعايتهم، وحسن التعامُل مع الوقائع بتدبيرٍ حكيم.
لقد كان العالَمُ الحسِّيّ الظاهرُ على الدّوام مدعاةً للانذهال والسروب بفعل تحريض الغريزة (واستهلاكها) على حساب العقل. في الواقع، هو يطرحُ الخِيار لأنَّ “أنوارَ العقل لا تُفقد” كما جاء في سِفر التوحيد. إنَّ تلك العبارة التي يُترنَّم بها في جلسات الذِّكر هي صيغةٌ وعظيَّة رقيقة للحديث الشريف: “الناسُ نيامٌ فإذا ماتوا استيقظوا”. ويُمكننا فهم المعنى العميق لهذا القول المدهش بالعودة إلى التفسير التوحيديّ لعبارة الإنجيل: “من أمات نفسَه من أجلي فقد أحياها”، حيث ورد أنَّ هذا يعني من أمات نوازعَ الضدّ في ذاته فقد أحيا حركةَ العقل اللطيف. إنَّ افتقارَ سراج الروح إلى زيت البصيرة المستنيرة هو بمثابةِ الغفلةِ عن حقيقة ما هو إنسانيٌّ في الإنسان. جعلنا اللهُ سبحانَه وتعالى من المستبصرين السَّاعين إلى تحقيق هذه النِّعمة الجليلة، إنَّهُ نِعمَ المولى ونِعمَ النصير.
- من محاضرة للشيخ غسان الحلبي- مستشار مشيخة العقل – في شانيه، بتاريخ 26/3/2010، بدعوة من اللجنة الثقافية في المجلس المذهبي.
[1] – يوجد لعبة بوكر إلكترونيَّة تُسمَّى “تكساس هولدم”، تُلعب بواسطة وحدات Chips يتمّ شراؤها في مقهى الانترنت. ويمكن أن تُلعب أيضًا عبر الفايس بوك. يقول رئيس مكتب مكافحة جرائم المعلوماتيَّة في الشرطة القضائيَّة: إذا كانت المبالغ ضئيلة فلا نتدخّل. ويقول أخصائي نفساني عن سبب تعلُّق الشبّان في مثل هذه اللعبة الآيلة إلى الإدمان على المقامرة: إنَّها حال الفراغ التي يعيشها هؤلاء بسبب عدم معرفتهم كيفيّة استثمار الوقت. ثمة غياب للأهل والمؤسّسات التربويّة، وعدم الإصغاء الجيِّد لآمالهم وطموحاتهم، ممّا يجعل من البيت والمدرسة مكان غير محبَّب.
[2]- تقول المربِّية: خلافات الأهل والصراخ المتبادل بين الوالدين يولِّدُ مأساة للأولاد، حيث تبيَّن الأثر الواضح لها على آداء الطلاب المتراجع، والإهمال والعجز.