بحث ..

  • الموضوع

ندوة ثقافية للمجلس المذهبي حول كتاب “الحوار الإسلامي المسيحي-رؤية الموحدين الدروز”.

نظّم المجلس المذهبي لطائفة الموحدين الدروز ومؤسسة العرفان التوحيدية ندوة ثقافية حول كتاب “الحوار الإسلامي المسيحي.. رؤية الموحدين الدروز” للشيخ الدكتور سامي ابي المنى وذلك في اطار معرض الكتاب الذي يقام في قاعة ثانوية العرفان في السمقانية الشوف، نقل فيها الشيخ ابي المنى تحيات سماحة شيخ العقل نعيم حسن وحضرها رئيس مؤسسة العرفان الشيخ علي زين الدين ومديرها العام الشيخ نزيه رافع وعدد من مسؤولي المؤسسة والمشايخ ومدير جامعة سيدة اللويزة الشوف الاب حنا الطيار والأب ايلي كيوان والمدير العام ياسر ذبيان واعضاء من المجلس المذهبي وحشد من الشخصيات الثقافية والتربوية والاجتماعية.

رحب مدير الثانوية عفيف راسبيه بالحضور وكانت كلمة تمهيدية لرئيس اللجنة المالية في المجلس المذهبي الدكتور عماد الغصيني، ثم تولى الدكتور صالح زهر الدين ادارة الندوة التي شارك فيها كل من البروفيسير الأب سليم دكاش رئيس جامعة القديس يوسف والعميد الدكتور احمد حطيط والعميد الدكتور محمد شيا والشيخ ابي المنى.

زهر الدين:

بدايةً افتتح الندوة الدكتور وهر الدين معرِّفاً بالمحاضرين وقائلاً في موضوعها: إن المثقف الحقيقي هو من يجعل التسامح وقبول الآخر ثقافة يوميّة تنغرس في الذهن والوجدان… والمثقّف مهما أُوتي من العلم يظل بحاجة إلى المزيد، لذلك تختلف الثقافاتُ باختلاف المجتمعات والتقاليد… لكن السلوك القويم السويَّ هو مدلول الثقافة، لذلك ترتبط الثقافةُ بالقيم الأخلاقية…والشيخ سامي هو رمزٌ من رموزها ولا شك.

وأضاف: وفي جميع الأوقات أثبت الموحدون الدروز أنهم “أرباب حوار” بامتياز، على اختلاف أنواعه، حتى في عزّ المحن والفتن والحروب، كانوا من دعاته المخلصين… وفي جميع المحاولات كانوا في حالة دفاع عن النفس، ولم يكونوا معتدين وبادئي قتال… بعد أن تبارت الشعوب المختلفة في محاولة سلخهم عن عروبتهم وإسلاميتهم وجذورهم التوحيدية، وهم غير متنازلين عنها إطلاقاً؟

وختم قائلاً: في هذا الإطار، يأتي كتاب الشيخ سامي أبي المنى، الذي نعتبره بحقّ “موسوعة حواريّة” مُعَنونَة بـ”رؤية الموحّدين الدروز”، لكنّها نافذةٌ تُطلّ على الرؤى الأخرى، تُغنيها وتغتني بها. وعدا عن كونها أطروحة أكاديمية، إلا أنّه يصحّ فيها القول: أنّها مجموعة أطاريح في أطروحة واحدة… ومجموعة مشاريع في مشروع واحد… بل هي مكتبة قائمة بذاتها… وهنا تكمن أهميتها العلمية والثقافية والحوارية في آن… ومن لا يُصدّق، فالكتاب أمامكم، وفي متناول أيديكم هنا… فاقرأوه لتتأكّدوا.

دكاش:

الأب دكاش اعتبر أنّ الولوج إلى هذا الموضوع كان يتطلّب شجاعة أخلاقيّة وكذلك شجاعة أدبيّة عقليّة لأنّ التطرّق إلى أمور تخصّ أصحاب “مسلك التوحيد” هو أمرٌ لا يبرع فيه سوى العارفين القلائل ونظرة سريعة إلى فهرس محتويات الكتاب تدلّ بوضوح أنّ صاحب الكتاب هو من العارفين. وإن أضفنا إلى باب المعرفة أبوابًا أخرى نجدها واضحة في الكتاب مثل لياقة التعبير ودقّة العبارة ودماثة الإنتقاد، لقلنا إنّ المؤلّف الشيخ سامي يجيد أدب المحاورة وقواعدها قبل الدخول في عرض موضوعه في رؤية الموحّدين الدروز للحوار الإسلاميّ المسيحيّ اللبنانيّ، معتبراً أن الشيخ سامي لا يكتب أطروحة أو كتابًا بل إنّه يضع قواعد فكر في مجال العلاقات الإسلاميّة المسيحيّة.

وعندما يقول الشيخ الدكتور إنّ الحوار هو ثقافة وطنيّة فهو يعرف ما يقول حيث إنّ الخطاب الوطنيّ الإجتماعيّ وكذلك ما نقدر أن ندرجه في باب الممارسة والسلوكيّة أضحى جزءًا مكينًا من الهويّة اللبنانيّة إلاّ أنّ الأمر عندما يتعلّق بالسياسة وتطبيق الشعارات والنظريّات على المستوى العمليّ، فإنّنا – كما يقول صاحب الكتاب – هناك “المفارقة المؤلمة التي تكمن في الظروف المستجدّة دائمًا والتي تمنع من تطبيق الاتّفاقات وكأنّ التناقض، إلى جانب ثقافة الحوار الوطنيّة، هو أيضًا ثقافة لبنانية”. والواقع أنّه من ميّزات هذه الأطروحة أنّها من ناحية قريبة من واقع الحوار على الصعيد العمليّ ومن ناحية أخرى، هي مرتبطة بالمستوى العمليّ لأنّها لا تتردّد في قول الأشياء كما يجب أن تقال من دون مواربة لأنّ الحوار بين طرفين لا يلغي الحقيقة ولا بدّ أن يأخذ الطرفان الحقيقة على محمل الجدّ وأن يسعيا إلى التعرّف عليها لكي يأخذ الحوار طريقه إلى النجاح.

وأضاف: إننا أمام دراسة غنيّة في نظريّات التوحيد، الجامع المشترك الذي يرى كاتبها ويثبّت تلاقي الأديان في العرفان ويعرِّف بمسلك التوحيد على أنّه مسلك أخوّة وسلام بالرغم من التاريخ المتقلّب معهم وعليهم ويحدّد الانتماء للدولة الوطنيّة وللعروبة والإسلام طريقًا قويمًا لهم ومن ضمن ضرورة الاتّصال بالآخر لا الانفصال عنه. ويُفرد صفحات غنيّة تجعل من معرفة الذات، من الوجهة السقراطيّة، سبيلاً لمعرفة الآخر واحترامه لأنّ الصدق مع الذات يقود حكمًا للصدق مع الآخر وللعيش معه بوئام وأمان. وهنا يذكر الشيخ سامي مأساة الجبل لا للبكاء على الأطلال بل للتأكّد على أنّها فاصلة في تاريخ مشترك ونقطة انطلاق للبناء معًا ضمن الثوابت الوطنيّة.

وختم قائلاً: إن كتاب الشيخ سامي أبي المنى هو أيضًا لُبنة جديدة وأساسيّة تُضاف إلى أدبيّات الحوار الإسلاميّ المسيحيّ، إلى ثقافة الحوار والعيش المشترك وإلى بنية الوطن الدولة الجامعة لبنيها، فشكرًا له لما قدّمه وعرضه علينا وأضافه إلى قضيّة الحوار الإسلاميّ المسيحيّ، متمنّين عليه التقدّم الحثيث في البحث والكتابة في هذا الموضوع وغيره.

حطيط:

أما الدكتور أحمد حطيط فقال: إنّ الشيخ سامي صاحب رؤية حوارية استمدّها من تجربته الواسعة في ميدان العمل المؤسساتي والإجتماعي في طائفة الموحّدين، من موقعه كأمين عام لمؤسسة العرفان التوحيدية، ورئيس اللجنة الثقافية في المجلس المذهبي للطائفة الكريمة في لبنان، ومن خلال علاقاته العابرة للطوائف، حيث هو عضو في غير ملتقى حواري وتربوي واجتماعي، وله إسهامات علمية موثوقة في مؤتمرات وندوات حوارية وفكرية، في لبنان والخارج.

وأضاف: ينطلق الشيخ الدكتور سامي، في كتابه، من إشكالية حاكمة مفادها أنّ الحوار هو المدخل الأرقى، والأجدى، لتحقيق السلام بين بني البشر، وأنّه خيار لا بد منه في لبنان، وفي عالمنا العربي المتنوّع الثقافات والمعتقدات الدينية، مسوّغا انكبابه على دراسة هذه الإشكالية بانخراطه الفعلي في الحوار مع الآخر، من موقعه الديني ودوره التربوي والإجتماعي، مصرّحا أنّ دراسته تندرج في إطار التزاماته الدينية والإنسانية والوطنية، لمقاربة حقائق متصلة بواقع الموحّدين الدروز، بما هم طائفة تنحو الى الاعتدال والوسطية، بعد أن اختبرت، كما غيرها من الطوائف اللبنانية، عبثية الحروب والنزاعات الداخلية.

وتابع قائلاً: جاهر المؤلف بأن الموحّدين الدروز، وإن كانوا ولا يزالون ” يؤكّدون على تشبّثهم بخصوصياتهم وتراثهم، إلا أنّهم يقدّمون ولاءهم الوطني على أي ولاء آخر، ويفضّلون الخروج من الصيغة الطائفية الى رحاب الصيغة الوطنية المدنية التي تميّـز بين الدين والدولة، ولا تفصل بينهما فصلا قاطعا “، فخلص الى مقاربة رؤية حوارية مستقبلية، على مستوى مؤسسات المجتمع الدينية والتربوية والمدنية، وعلى مستوى الدولة الوطنية القائمة على العدالة والمساواة بين مواطنيها، لا على الطائفية والمحاصصة السياسية، تعزيزا للعيش المشترك.

وأضاف: لقد تصدّى الشيخ سامي لمسائل شائكة، قضّت مضاجع الحوار الإسلامي- المسيحي؛ فدرس ماهيّة هذه المسائل وعلّـل أسبابها، متوقفا عند ظروفها التاريخية وخلفياتها السياسية الداخلية والخارجية، وقارب حقائقها، فأضاف، بذلك، جديدا في بابها، معتصما بالصدق والأمانة في تشخيص واقع الحوار الإسلامي – المسيحي ومعوّقاته، مذيّلا دراسته بتوصيات لتفعيل الحوار بين أهل الديانات السماوية، مقرّرا أنّ الحوار وقبول الآخر هي من سمات عقائد الموحّدين الدروز، انطلاقا من عرفانيتهم التي يفاخرون بها، ومن إيمانهم الصادق بالإنتماء الى دولة المواطنة والعيش المشترك.

وختم قائلاً: لقد جاء كتاب الشيخ الدكتور سامي أبي المنى على شكل بناء مرصوص، وتميّـز بأسلوب علمي مزوّق بالأدب، ومنهج ملائم قوامه التأريخ الإجتماعي، وأن الباحث استقى معلوماته من مصادر أصلية ومراجع موثوقة، ما وفّـر المعطيات اللازمة لدراسته، وخلص الى مقاربة جديدة للرؤية الحوارية عند طائفة الموحّدين الدروز، والى استنتاجات هي على قدر كبير من القيمة الفكرية والثقافية، يمكن أن يبنى عليها الكثير الكثير في تجديد الحوار الإسلامي – المسيحي منهياً مداخلته بتساؤل: هل يمكن للحوار بين اللبنانيين، مسلمين ومسيحيين، أن يمهّـد الطريق لبناء الدولة المدنية في لبنان، على قاعدة المواطنة، وليس على قاعدة التوافقات الآنية بين الطوائف؟ ومسارعاً الى الإجابة على هذا التساؤل بنعم، شريطة أن تتوفّـر للحوار بين اللبنانيين المقـوّمات اللازمة، ومنها: إيلاء التنشئة على الحوار ما تستحقّه من اهتمام، وإصدار تشريعات جديدة ضد التمييز والتفرقة، وتنظيم العمل السياسي، وتطوير قانون الإنتخاب، بما يؤمّن عدالة التمثيل والفصل بين المناصب العامة والمجالس الطائفية، واعتماد معيار الكفاءة في الوظائف العامة، وليس المحاصصات الطائفية، وتفعيل دور الإعلام، وتحصينه، وبناء الحوار والعيش المشترك في لبنان على قناعة دينية، وليس على ضرورات إجتماعية وسياسية ظرفية.

شيّا:

اما الدكتور محمد شيا فعنون مداخلته بالتالي: “نحو حوار أديان إيجابي في لبنان والعالم العربي، يتجاوز حرف الدين إلى روحه”ومما جاء فيها: في الشكلِ، لافتٌ على الدوام نصّ الدكتور الشيخ سامي أبي المني، وفي كلّ أعماله، جميلٌ بل أنيقٌ، سلسٌ؛ مُشرِقُ، قريبُ العبارة، سهلُ التعبيرِ والإبلاغ، وعلى اقتدارٍ وتمكّن في البيان قلّ نظيرهما… هوذا الشكلُ الأدبي-الفكري المتفرد في نصوص الدكتور الشيخ سامي أبي المنى، النثرية أو الشعرية، والتي ينضاف إليها إبداعه الشعري التلقائي البسيط والجميل. ولا يخفاكم بالتأكيد أن البساطة المتمكنة في الكتابة هي ذروة البلاغة. ذلكم برأيي أحد أسباب قوة نصوص الشيخ سامي وجاذبيتها في بساطتها وعمقها في آن معاً. وعمله الأخير موضوع الندوة هذه، “الحوار الإسلامي المسيحي، في رؤية الموحدين الدروز”، عينةٌ متقدمة للتوليفة الجمالية – الفكرية التي تسم عموم أعماله، وإن تك هذه المرة في مواجهة تحد أكثرَ صعوبةً وحساسية، عنيتُ به المجالَ الديني- الحواري، أو حوار الأديان.

وأضاف: لقد جاء عمله هذه المرة، وهو الأديب المبدع والشاعر المجيد، خالياً في الغالب من كل المحسنات الجمالية والبيانية، وبلغة إخبارية علمية دقيقة إلى حد كبير. فلكل نوع من الخطاب نوع منهجه وأدواته، ولكل موضوع التقنيات الكتابية والإبلاغية المناسبة له – والدكتور سامي اختار بنجاح الأدوات والتقنيات المناسبة لموضوع بحثه: موضوع دقيق وعلى قدر من الحساسية، إلى جانب أهميته العلمية؛ وتلك شهادة إضافية للباحث، تثبت للمرة المليون أن الكاتب قبل نصّه، والشاعر قبل شعره، وكذلك الباحث قبل بحثه. فحين يتخلّق المبدع بقواعد الكتابة والبحث الصحيحة يغدو سهلاً جداً ومتاحاً له إنجاز أي عمل كتابي، وفي المجالات الأدبية الإبداعية، أوالبحثية، وفي حقل الإنسانيات بعامة. والعمل الذي التقينا حوله هذه الساعة دليل قوي، لجهة أدواته، على ما أقوله.

واعتبر شيا أن جهداً استثنائياً في مسألة الحوار الإسلامي المسيحي اللبناني، غير مسبوق كما اعتقد، جرى بذله وإظهاره في مندرجات عمل الشيخ الدكتور… وفي الحقيقة، وإذ ننسى أن العمل هذا كان أطروحة ملزمة بقواعد وتقنيات معينة، فإن المقدمة والخلاصة في الكتاب الذي هو بين أيدينا الآن كافيتان تماماً للقيام بمهمة الإجابة الشافية الوافية على الأسئلة والإشكاليات والموضوعات التي يدور معظم عمل الشيخ سامي حولها، والتي تمحورت كما أسلفت في سؤالين كبيرين: ماهية الحوار الإسلامي المسيحي بعامة، ثم رؤية الموحدين الدروز إلى هذا الحوار.

وأضاف: وأعجبني بين كثير ما اعجبني إثبات المؤلف لحقيقة الاختلاف العقائدي بين الأديان المنخرطة في الحوار. إذ لا معنى على الإطلاق لمحاولات قسر حقيقة الأديان التوحيدية والزعم بتوافقها في كل شيء، كما يحلو للبعض أن يفعل وعن طيب نية بالتأكيد. فالاختلاف، بل الخلاف في ما بينها، في مسائل جوهرية وغير جوهرية قائم وحقيقي، وهو في الحقيقة مبرر تعاقبها وتراكم الإثراء المعرفي والروحي الذي جلبته منذ ثورة إبراهيم الخليل التوحيدية قبل ثلاثين قرناً أو يزيد وصولاً إلى الإسلام والبعثة النبوية للرسول العربي الكريم محمّد خاتم النبيين. من المخالف للعقل والمنطق، كما للتاريخ الذي نعرفه، أن تكون الأديان على سوية واحدة أو موقف واحد من عشرات بل مئات الأسئلة الماورائية وما تحت الماورائية، من دنيا واجتماع وعلاقات وأفكار ووقائع.

وختم: هناك لحظات غير مشرقة في تاريخ الأديان، وبخاصة السماوية منها، حقيقية مع الأسف؛ ولا يزال بعضها يرخي بظله الثقيل على العلاقات بين الأديان. هذا واقع حقيقي، لكنه ليس قدراً أبدياً، بل لعله حافز للحوار بين أبناء الأديان المختلفة. حوار ليس في مقدور أحد التفلت من ضرورته بل إلزاميته في كل حين، ولكن في عصرنا هذا على وجه التحديد… لقد كان ذلك باباً جديداً سمح بتجديد شباب الأديان التوحيدية، وبخاصة الديانتان المسيحية والإسلامية. لكن ذلك كان مشروطاً ايضاً بضرورة انفتاح الأديان تلك على بعضها البعض. إذ لا معنى أن تحاولَ هدايةَ الآخر ولا تبدأ بنفسك! وهكذا بدأت في النصف الثاني من القرن الماضي مسيرة اعتراف مؤسسات الأديان المسؤولة بأديان الآخرين، وفُتحت مصاريعُ الأبواب لحوارات غنية في ما بين الأديان الكبرى من جهة، وما بين مذاهب الدين الواحد من جهة ثانية.

وأخيراً دعا إلى حوار “ما بعد الحرف”، أو ما فوقه، له بين الأديان ومؤسساتها ورجالاتها، الحوار الفكري والديني والفلسفي، هو الذي يحصّن الحوار الواقعي الجاري في لبنان، الحوار السياسي والأخلاقي، بل ويجعل من الصعوبة العودة عنه. وافترض وبثقة عارمة أن عمل شيخنا الكريم، أي كتابه هذا، ومسلكه الشخصي السامي، وكما كان مسلك أسلافه مشايخ أهل التوحيد الكبار، هو في هذا الاتجاه مباشرة، وبما يفضي، وبسبب من حسن النية أولاً وأخيراً، إلى نتائج خيّرة مباركة تغني الواقع اللبنانيين، وحياة اللبنانيين، وتجنبّهم في أوقات الضعف والتخلّي السيء من الأفكار والتصرفات – والسيئين من الأشخاص كذلك على قلتهم والحمد لله.

أبي المنى:

في الختام تكلَّم مؤلف الكتاب الشيخ ابي المنى قائلاً: اخترت موضوع “الحوار الإسلامي المسيحي في لبنان… رؤية الموحِّدين الدروز” انطلاقاً من قناعتي بأن الحوار هو السبيل الأرقى لتحقيق السلام… وأنه حاجةٌ إنسانية في العالم، وأنه خيارٌ حتميٌّ في بلادنا، وأنه سمةٌ ملازمة لأبناء طائفتي، الموحِّدين الدروز؛ لذا تناولتُ في كتابي تاريخَ الموحدينِ وواقعَهم ومجتمعهم ومسلكهم التوحيدي، من باب الإنصاف والبحث عن الحقيقة، لا من باب الدفاع والتجميل، وهم الذين لم يتسنَ لهم التعريفُ الكافي عن أنفسهم، وقد عاشوا حياةً مريرةً مليئةً بالحروب الدفاعية، ممّا أدّى إلى تصويرِهم، من قبل العديد من المؤلفين والمستشرقين، وكأنهم جماعةُ حربٍ وقتال، لا علاقةَ لها بالسلام والحوار. وهذا ما دفعني وحفّزني لخوض تجربة البحث هذه، متوقّفاً عند بعض المحطات الأساسية في تاريخهم الجهاديِّ المثير، وعارضاً لتراثهم الاجتماعي، ولخصائصِ مجتمعهم، حيث تبرزُ نماذجُ حيّةٌ ومحطاتٌ لامعة من العيش المشترك في تاريخهم، خصوصاً مع أخوانهم المسيحيين في لبنان، رأيت أنه من المفيد تسليطُ الضوء عليها، بدلاً من التركيز على مشاهد الحرب والحقد.

وتابع: وإذا كنت قد عرضتُ لحالات المودّة والتسامح زمنَ التنوخيين والمعنيين، فلأنني أردتُ البناءَ على تلك النماذج والحالات المتقدمة، وليس على واقع الشقاق والنزاع الذي نشأ في أواخر فترة الحكم الشهابي وأوصل إلى فتنة 1860، التي حرّكتها وأثارتها القوى الخارجية، ووقع ضحيتَها أبناءُ الوطن، وقد استندت في ذلك إلى مؤرخين مسيحيين وإلى مراجعَ مسيحيةٍ وغير مسيحية، لتبيان بشاعةِ ما وقع اللبنانيون به، عندما انجرفوا مع السياسات الخارجية، أو عندما دافع كلٌّ منهم عن وجوده وطائفته، على طريقته، ومن موقعه، لأؤكدَ أن الموحِّدين الدروز تعاملوا مع الواقع الجديد بمرونة وتفهُّم، رغم الخسارة الكبيرة التي مُني بها الإقطاعُ الدرزي في القرن التاسع عشر، فانخرطوا في نضالات قومية ووطنية، وانطلقوا مع مواطنيهم اللبنانيين في مهمة تكوين الدولة الجديدة وتطويرها.

وأضاف: وفي المنحى الوطني الاجتماعي، عرضتُ لمواقفِ الموحدين، الذين لم يسعوا يوماً إلى تشكيل هويةٍ خاصة بهم أو حالةٍ انفصالية عن عروبتهم ووطنيتهم، أكان ذلك في لبنان أم في سوريا أو في فلسطين أو الأردن. أمّا في ما يتعلّق بمسلك التوحيد، فقد حاولتُ، من خلال تعريفي به، تحقيقَ ما أكّده أربابُه وشيوخُه العارفون، بأنه مسلكٌ جامعٌ في إطاره العرفاني، وفي إطاره المعرفي… وهو مسلكٌ قائمٌ على التعامل بمحبة وطهارة، والنظر بعين العقل والحكمة، والحكمة عند أهل التوحيد هي غايةُ الكتاب وثمرتُه، ولذا اعتمد المسلكُ على التقيّةِ في بعض أوجهها، مداراةً وحذراً، وفي ذلك نوعٌ من أنواع الحوار واحترام الآخر والتعامل معه بلطفٍ، من خلال احترام معتقده وعدمِ التعرُّض له، إلّا أنه مسلكُ ارتقاءٍ فكري وروحي، يعتبرُ أنّ الدينَ وسيلةٌ لتحقيق غايةٍ إنسانية، وليس غايةً بحدّ ذاته، وبأنَّ الغاية الإنسانيةَ واحدةٌ، وإن اختلفت طرقُ الوصول إليها. ولذا، فالموحدون لم يمارسوا الدعوةَ إلى دينٍ منفصل، ولم يُفسِحوا المجالَ، بعد زمن انطلاق مذهبِهم من بيت الحكمة في القاهرة منذ ألف عامٍ، لأيِ دخولٍ جديد فيه، وهذا ما شكّل فُسحةً مُطَمئِنة للحوار، إذ لم يكن في هاجسِهم، يوماً، استقطابُ الآخرين وسلخُهم عن أديانهم ومذاهبهم.

وختم قائلاً: تلك المواقف والرؤى الحوارية استنتجتُها من تجربة واسعة لي في مضمار العمل المؤسساتي والاجتماعي في الطائفة ومن خلال علاقاتي العابرة للطوائف، ومن خلال وجوهٍ حواريةٍ توحيدية توقفتُ عندها مليّاً، بدءاً من الزعامتين الجنبلاطية والأرسلانية. وبعيداً عن السياسة، تعمقت في فكر كمال جنبلاط الناظرِ إلى ما يتعدى الحرفَ والكلمة، واستخرجت المعاني الحوارية من تصريحات ومواقف شيخَي العقل: الشيخ محمد أبو شقرا والشيخ نعيم حسن، ومن مواقفِ القاضي الشهيد الشيخ حليم تقي الدين، ومن فلسفة المفكِّر والباحثِ العرفانيِّ د. سامي مكارم، ومن رؤية القاضي عباس الحلبي، ومن حركة مؤسسة العرفان التوحيدية ودورها، كنموذجٍ متقدِّمٍ لعمل المؤسسات التوحيدية في ميدان التربية والثقافة والحوار والتنمية… مستنتجاً أنّ معظمَ القياداتِ التوحيدية الدرزية أكّدت على الدورِ الحواريِّ والوسطيِّ للطائفة، وعلى تغليب خيار الاعتدال واللاطائفية، وخيار الدولة الوطنية الجامعة التي تستمدّ روحيتَها من روح الدين، وتتكاملُ معه، بدلاً من أن تعزلَه عن المجتمع، أو أن تتركَ له مجالَ التدخُّل السافرِ في شؤون إدارة الدولة.

مشاركة المقال

التعليقات

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اترك تعليقاً

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

المقالات ذات صلة

السابق
التالي

تصنيفات أخرى